القاهرة - أ.ق.ت - فادى لبيب : تزداد أهمية متابعة تحركات الذهب خلال المرحلة الراهنة في ظل تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والمالية التي تجعل السوق أكثر حساسية للأخبار والبيانات القادمة ...
فالمعدن الأصفر، الذي يُنظر إليه تاريخياً باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات، يجد نفسه حالياً بين ضغوط السياسة النقدية العالمية من جهة، ومخاوف تباطؤ النمو والتوترات الجيوسياسية من جهة أخرى.
الذهب على المدى القصير والمتوسط
وفي الوقت الذي يترقب فيه المستثمرون إشارات جديدة من البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، تتجه الأنظار أيضاً إلى المستويات الفنية الحرجة التي قد تلعب دوراً محورياً في رسم المسار القادم للأسعار. وبين احتمالات مواصلة التصحيح الهابط وفرص استعادة الزخم الصعودي، تبدو الجلسات المقبلة حاسمة في تحديد وجهة الذهب على المدى القصير والمتوسط.
تأتي تطورات سوق الذهب في وقت يواجه فيه المعدن الأصفر ضغوطًا متزايدة من قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد السندات، بعد أن عززت تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول من المتوقع . وقد انعكس ذلك على شهية المستثمرين تجاه الأصول غير المدرة للعائد، وفي مقدمتها الذهب، الذي سجل تراجعًا للأسبوع الثالث على التوالي وسط عمليات جني أرباح واسعة النطاق .
ومن الناحية الفنية، يراقب المتداولون عن كثب مناطق الدعم الرئيسية التي تمثل خط الدفاع الأخير أمام المشترين. ويشير عدد من المحللين الفنيين إلى أن كسر هذه المستويات قد يفتح المجال أمام موجة هبوط أوسع، خاصة مع استمرار تداول المعدن النفيس دون بعض المتوسطات الفنية المهمة، وهو ما يعزز النظرة السلبية على المدى القصير.
الضغوط على الذهب
ويرى محللون في الأسواق العالمية أن العامل الحاسم خلال الفترة المقبلة لن يكون فنياً فقط، بل سيعتمد أيضاً على مسار أسعار الفائدة الأمريكية والبيانات الاقتصادية المرتقبة، وعلى رأسها معدلات التضخم وسوق العمل. فكلما ارتفعت التوقعات ببقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة، زادت الضغوط على الذهب، بينما قد تعيد أي مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد أو تراجع التضخم الزخم الشرائي للمعدن الأصفر.
ورغم الصورة السلبية على المدى القصير، لا يزال العديد من المؤسسات المالية الكبرى يحتفظ بنظرة إيجابية للذهب على المدى المتوسط والطويل، مستندة إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية العالمية وارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي. وتشير تقديرات عدد من بيوت الاستثمار العالمية إلى أن التراجع الحالي قد يمثل مرحلة تصحيح ضمن اتجاه صاعد أكبر، وليس بالضرورة نهاية موجة الصعود التي بدأت خلال السنوات الأخيرة.
مستويات المقاومة الرئيسية
وفي هذا السياق، خفض بنك جولدمان ساكس توقعاته لسعر الذهب بنهاية العام، لكنه أكد في الوقت نفسه استمرار العوامل الهيكلية الداعمة للسوق، وعلى رأسها الطلب القوي من البنوك المركزية واستمرار حالة الضبابية الاقتصادية العالمية.
وبين سيناريو الهبوط الناتج عن تشدد السياسة النقدية، وسيناريو الارتداد المدعوم بالمخاطر الجيوسياسية والطلب الاستثماري، يبقى الذهب عند مفترق طرق حقيقي. ولذلك فإن قدرة الأسعار على التماسك فوق مستويات الدعم الحالية ستكون العامل الأهم في تحديد اتجاه السوق خلال الأيام والأسابيع المقبلة، بينما قد يؤدي كسرها إلى تسارع عمليات البيع واستهداف مستويات سعرية أدنى، في حين أن نجاح المشترين في الدفاع عنها قد يمهد لعودة تدريجية نحو مستويات المقاومة الرئيسية.
الذهب كأصل احتياطي
في الختام، يبقى الذهب داخل نطاق شديد الحساسية، حيث لم تعد التحركات الحالية تعكس اتجاهًا واحدًا بقدر ما تعكس حالة “ترقب مشروط” لبيانات الاقتصاد الكلي القادمة. فالسوق لا يتحرك فقط وفق الإشارات الفنية، بل أصبح أكثر ارتباطًا بتوقعات السياسة النقدية الأمريكية، واتجاهات التضخم، وحركة الدولار في الأسواق العالمية.
ومن المهم الإشارة إلى أن فترات التذبذب الحالية غالبًا ما تسبق حركات اتجاهية قوية، سواء بالصعود أو الهبوط، وهو ما يجعل إدارة المخاطر عنصرًا حاسمًا للمتداولين في المرحلة المقبلة، خاصة مع اتساع نطاق التقلبات داخل الجلسات اليومية.
كما أن سلوك البنوك المركزية العالمية، واستمرار وتيرة شراء الذهب كأصل احتياطي، يضيف طبقة دعم استراتيجية قد لا تظهر تأثيراتها بشكل فوري، لكنها تظل عاملًا مؤثرًا على المدى المتوسط والطويل، في مقابل الضغوط قصيرة الأجل الناتجة عن تشدد السياسة النقدية.
وبين هذه العوامل المتداخلة، يبقى المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، ما يجعل الأيام القادمة أقرب إلى “مرحلة حسم تدريجية” ستحدد ما إذا كان الذهب بصدد بناء قاعدة سعرية جديدة، أم الدخول في موجة تصحيح أعمق تعيد رسم مستويات التداول من جديد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق